عبد القاهر الجرجاني
59
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
فإنْ أَخَذْنا بالأولِ ، لزِمَنا أنْ نُقْصِر الفَضيلةَ عليه حتى لا يكونَ الإعجازُ إلاَّ به وفيه 1 ، وفي ذلك ما لا يخفى من الشناغة ، لأنه يُؤدِّي إلى أنْ لا يكونَ للمعاني التي ذكرُوها في حدودِ البلاغة : مِنْ وُضوح الدَّلالة ، وصوابِ الإشارةِ ، وتَصحيحِ الأقسام ، وحُسْن الترتيبِ والنظام ، والإبداع في طريقة وتوفية الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطها 2 مدخلٌ فيما له كان القرآنُ مُعْجزاً ، حتى يدعي أنَّهُ لم يكن مُعْجزاً مِن حيثُ هو بليغٌ ، ولا من حيثُ هو قولٌ فصْلٌ ، وكلامٌ شريفُ النظم بديعُ التأليف ، وذلك أنه لا تَعلُّقَ لشيءٍ من هذه المعاني بتلاؤمِ الحروف . وإِنْ أخذنا بالثاني ، وهو أن يكونَ تلاؤمُ الحروفِ وَجْهاً من وجوُهِ الفضيلةِ ، وداخِلاً في عِداد ما يُفاضَلُ به بين كلامٍ وكلامٍ على الجُملة ، لم يكن لهذا الخلافِ ضرر علينا ، لأنه ليس بأكثر أن نعمد إلى " الفصاحة " فتخرجها من حيَّز " البلاغةِ والبيانِ " ، وأن تكونَ نظيرةً لها ، وفي عداد ما هو شبههما من البراعية والجزالة وأشباه ذلك ، ما يُنبئ عنْ شرفِ النظْمِ ، وعنِ المزايا التي شرحتُ لك أَمْرَها ، وأعملتك جنسها 3 أو نجعلها اسماً مُشتركاً يقَعُ تارة لِمَا تَقعُ له تلكَ ، وأخرى لِما يَرْجع إلى سلامةِ اللّفظِ مما يُثْقِل على اللَّسان . وليس واحدٌ منَ الأمرين بقادح فيما نحن بصدده .
--> 1 " وفيه " ، ليست في المطبوعة . 2 السياق " . . . . أن لا يكون للمعاني . . . . . مدخل " . 3 " أو نجعلها " معطوفة على قوله : " أن نعمد إلى الفصاحة " ، والأفعال في هذا الجمل مبدؤه بالنون ، أما في المطبوعة فهي مبدؤه بالياء ، وهو غير مستقيم .